الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
459
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
المنع في جميع الصور ولو كان قليلا غير متمول في وجه قوي بناء على كون التصرف تابعا لملكه لا ماليته كما هو الظاهر نعم لو حصل إتلافه بالامتزاج كما إذا قطر قطرة من الدبس الحرام في الماء فالظاهر عدم المنع ولو ظهر أثره فيه كماء الورد ونحوه من المعطرات أو الأدوية القوية الآثار قوي حصول المنع وإن استهلك فيه والظاهر عدم صدق التلف فلا يبعد القول بحصول الشركة لمالكه بالنسبة ولو كان الممازج مماثلا فالظاهر عدم حصول الاستهلاك ولو كان قليلا وكذا عدم صدق التلف بامتزاجه فتأمل وأما القسم الرابع وهو ما إذا كانت الشبهة من جهة وجود الحلال والحرام معا واشتباه مصداق أحدهما بالآخر فإن كان ما وقع فيه الاشتباه من الأفراد غير محصور فلا إشكال في الحل وجواز التصرف ويدل على أمور الأول الإجماع المعلوم والمنقول في لسان جماعة بل الضرورة قاضية به في الجملة فإن وجود ماء نجس في العالم إذا احتمل أن يكون ما عندنا من الماء هو ذلك النجس وكذا حرمة شيء كذلك لا يقضي بالمنع من التصرف فيما عندنا من جهة الاحتمال المذكور إذا لا نعلم نجاسته أو حرمته وهو ظاهر الثاني لزوم العسر والحرج لولاه وهو منفي في هذه الشريعة آية ورواية وما يورد في المقام أولا من أن لزوم العسر والحرج لا يقضي بالحل والطهارة غاية الأمر جواز التصرف من جهة الضرورة كأكل الميتة في المخمصة فإنه لا يفيد حل الميتة حينئذ بالذات ولا طهارتها غاية الأمر جواز الإقدام على أكلها من جهة الضرورة وأين ذلك من المقصود في المقام وثانيا أن الحل الحاصل بسبب العسر والحرج إنما يتبع حصول ذلك ومن البين أن الاجتناب من غير المحصور ليس عسرا وحرجا في جميع الأديان بالنسبة إلى جميع الأشخاص ألا ترى أن من يزاول الصحاري المتسعة يعسر عليه الاجتناب من جميعه بسبب علمه ببول شخص في مكان غير معين عنه بخلاف من يجتاز فيها ويحتاج إلى ملاقاة شيء وقد يتحقق العسر والحرج في الاجتناب عن المحصور أيضا في محل الحاجة والضرورة إليه فلا بد إذن من بناء الأمر على الدوران مدار الضرورة والحرج اللازم وعدمها دون انحصار الشبهة وعدمه مدفوع أما الأول فبأن لزوم العسر والحرج قد ينافي تشريع الحكم وقد يفضي بالجواز في محل الضرورة فإن ثبت الحرج والمشقة في أصل تشريع الحكم بأن حصل الحرج في أغلب موارده لم يقع من الشارع تشريع لمثله وإن لم يكن هناك حرج في أغلب موارده بل اتفق هناك حرج وضيق في الاجتناب عنه في بعض الموارد فلا ينافي ذلك تشريع أصل الحكم وإنما تقضي بالرخصة في محل الضرورة كما في أكل الميتة في المخمصة فما ذكره من أن العسر والحرج لا يقضي الحل والطهارة مستشهدا بأكل الميتة كما ترى ومن ذلك يبين الجواب عن الثاني فإن عموم لزوم الحرج في المقام قاض بعدم تشريع الحكم فيعم الموارد النادرة أيضا مما لا حرج فيها بخلاف ما إذا كان الحرج اتفاقيا فإنه إنما يتبع حصول الحرج والفرق بين الصورتين ظاهر لا يخفى فما ذكره من دوران الحكم مدار حصول الحرج مطلقا ضعيف جدا كما يتضح ذلك من ملاحظة نظائره في سائر المقامات الثالث أنك قد عرفت أن الأصل في الأشياء بمقتضى العمومات المتقدمة هو الحل حتى يعلم بثبوت التحريم والعلم الحاصل في غير المحصور بوجود الحرام في الجملة لا يبعد في العد علما بثبوت التحريم بالنسبة إلى شيء من الخصوصيات حتى يمنع من الإقدام بالنسبة إلى خصوص الموارد الدائر احتمال كون المحرم خصوص شيء منها في نظر العرف جدا بحيث لا يلتفت إليه في الإقدام بالنسبة إلى خصوص الموارد بل يعد التحرز عنه من الجهة المذكورة من ظنون أصحاب السوداء وذلك كالتحرز عن كثير من المطعومات لاحتمال كونه مسموما نظرا إلى حصول العلم بوجود طعام مسموم في العالم فقد يكون هو ذلك الذي يريد الإقدام على أكله إذا لم يكن الاحتمال المذكور ملتفتا إليه بحسب العرف في شيء من الموارد الخاصة لم يعد ذلك العلم الإجمالي علما في المقام فمقتضى العمومات المذكورة ثبوت الحل والإباحة بالنسبة إلى خصوص الموارد كما هو المدعى ولا يجري نحو ذلك بالنسبة إلى الشبهة المحصورة كما سيأتي الإشارة إليه إن شاء الله تعالى بقي الكلام في المقام في المراد بغير المحصور ففسره بعضهم بما يكون خارجا عن حد الإحصاء بحسب العادة فيتعذر أو يتعسر إحصاؤه في العادة لكثرته وانتشاره ويمكن أن يقال إن ما يكون احتمال إصابة الحرام المعلوم بالنسبة إلى الإقدام على خصوص المصاديق الخاصة موهونا غير ملتفت إليه بحسب العادة أو أنه ما لا يكون الإقدام على المصداق الخاص قاضيا برفع العلم الإجمالي الحاصل بوجود الحرام بل مع البناء على حرمة ذلك المصداق أو حليته يقطع بوجود الحرام في الجملة من دون تفاوت والوجوه الثلاثة متقاربة إلا أن الوجه الأخير أخص مطلقا إذ قد يرتفع العلم الإجمالي على تقدير كون ذلك حراما نظرا إلى احتمال انطباق ذلك الإجمال عليه ومع ذلك يعد من غير المحصور أيضا فأظهر الوجوه هو الأول إلا أنه لا يفارق الثاني بل ولا الثالث في الأغلب وإن كان ما وقع فيه الاشتباه محصورا فالمعروف من المذهب هو المنع من الإقدام على كل من الأفراد التي وقع فيها الاشتباه وعدم جواز التصرف في شيء منها حتى يزول الاشتباه بوجه شرعي من غير فرق عن الإقدام عليها في نفسها أو في أداء واجب يتوقف على المباح منها كاستعمال أحد الإناءين المشتبهين بالمغصوب والنجس في الوضوء والغسل فيسقط ذلك الواجب التوقف عليه إلا أن يغلب حجية وجوبه على تحريم ذلك المحرم كما هو الحال في بعض الواجبات وهذا هو الذي ذهب إليه المعظم بل حكاية الإجماع عليه مستفيضة في الخصوص ببعض المقامات كمسألة الإناءين المشتبهين وذهب بعض المتأخرين إلى كون الشبهة محللة للحرام بمعنى جواز الإقدام في حال الاشتباه بحيث لا يعلم حين ما يقدم عليه كون ذلك إقداما على الحرام فيجوز الإقدام على جميع تلك المشتبهات إلى آخرها وإن لم يجز الإقدام عليها مجموعا للعلم بالتعرض للحرام في ذلك الإقدام الخاص وقد ذهب إلى ذلك بعض المتأخرين ولم نجد القول به من أحد من المتقدمين وذهب بعض آخر من المتأخرين إلى جواز الإقدام إلى أن يحصل العلم بالإقدام على الحرام فإن وقع الاشتباه بين الفردين جاز التصرف في كل منهما انفرادا ومع التصرف في أحدهما يحرم التصرف في الآخر وإن كان الاشتباه بين الثلاثة وكان الحرام المشتبه واحدا جاز التصرف في كل منهما انفرادا أيضا وفي اثنين منهما انفرادا أو مجتمعا ومع حصول التصرف فيهما يحرم التصرف في الثالث وإن كان الحرام اثنين جاز التصرف في كل منهما انفرادا أيضا إلا أنه